بقلم / دكتور / محمد طه عصر
برحيله فقد تلامذته ومريدوه قطبا ربانيا أقرب الي صوفية القرن الأول ،لا يقول الا ما يصح في معتقده ولايروي الا ما يصح في عقله فاذا عز التوفيق بين روايته ودرايته خلي ذرعه للثانية والقي للأولي معاذيره وعالجها بحس الاديب وخبرة العالم وثقافة المفسر ودقة النحوي واجتهاد الفقيه وبذا جمع الأوتار الخمسة وخلع عليها لمسة صوفية تسري الي القلوب كالنسمة الرخية فتعطر الانفاس وتهدئ الطباع وتقرب مابين السماء والأرض وكان في رزانة الحكيم ووقار الحليم لا يستفزه نزق جاهل ولايستخفه غضب مكابر فاذا اشتد الجدل في حضرته فارتفع الصوت واحتد اللسان قال :الام الخلف بينكما وفي المسألة رأيان أحدكما من وجه والأخر من وجه واذا الذين دخلوا وهم عليه يخرجون وهم معه وقد صاروا خضع الرقاب شاخصي الأبصار لا ينبسون بشفة ولا يطرفون بجفن تظل أعناقهم تمتد نحوه كالغصن الذي يطول للزهرة التي تنفح ٠ كان من فقهاء الحديث وأجود هم حفظا لمتونه ودراية بمصطلحه فاذ استعجزه متطفل لم يخبر الحديث ولم يدفع الي مضايقه اجابه بما يوقفه علي مقدار جهله وقلة تحصيله عندئذ يكبره ويستصغر نفسه ويدرك انه بازائه مجرد وراق متطفل تسلل من السقوف الي الرفوف ثم تدلي في المماشي وتجول في الهوامش وتسوق في الحواشي ونظرمن صير الباب ليملأ عينه من شئ غيره وتوهم انه ان استظهر متنا وألقي خطبة فقد حازوا رخصة تنقله من باب الشعرية الي باب الشعراوي وتلك هي معركته مع المتطفلين الروائيين من اولي الأربة الذين لم يفرغوا للحديث ولا حازوا اجازته فقد كان مغرسهم بدويا لا يأتيهم بعد الكدح الا بالجفاف والنطاف ومغرسه الكناني نيليا ياتيه بالألهام وهوضاجع وادع كان في علمه بالحديث غواصا ماهرا في يده خارطته وفي عقله بوصلته لا يقف بروايته عند السطوح ولا يستقر بدرايته عند القاع بل يجمع بين الطرفين كما تتجمع في الزهرة محاسن الربيع٠ نصف قرن وهو طويل النجاد رفيع العماد يجاهد ادعياء الحديث ويعزف عن الشهرة وينازل اعداء السنة ويعف عن المغنم لا يتحرك ولا يتورك والعرق البارد يأتلق علي جبينه الساخن كما يأتلق قطر الندي علي وجه السجنجل وكان في معركته رقيق الحس في سكون طلق اللسان في تحفظ يعطيك الراي الناضج والعقيدة الصحيحة فيرد الشاردويؤلف النافر ويهدئ الثائر ويفتر الحار ويحول نار النمرود الي نار ابراهيم فيذهب الاحراق ويبقي الاشراق وما يزال كذلك حتي ينجاب الدخان ويخلص الضوء فلا تري خمارا يعربد حول الحديث ولا قمارا يصطرخ بواديه فقد كانت لمسته الصوفية باقة ورد للمؤتلف وطاقة ود للممختلف يضع يديه في خسارة احدهم فتربح وفي عكارة الأخر فتصفو كانت رسالته رفع الناس الي الملائكة بالنور وتنزيل الملائكة عليهم بالخير يجمل بكلمته عوار هم ويخفض بعظاته شقاء هم وهو في ذلك كالسائس الذي يكبح الفرس الجموح من غير شكيمة ويوقف السيارة المسرعة من غير فرملة وبهذا رقق الاكباد الغليظة ودفع الانفس الشح وكان نزوله عليهم نزول الملك البشير علي زكريا الواهن يكون لجيوهم الجديبة كنوز قارون ولايديهم المعروقة عصا موسي وكان بينه وبين من يدخل بيته ويشرب ماءه اخاءا من رضاع الماء كما يكون ببن الولد والولد اخاء من رضاع اللبن فاذا نزل بساحتهم تلبدوا عليه وانحنوا علي يديه بالقبل يتنسمون فيها عبير البركة ويتخلصون من هواجس اللمم حديثه حديث الروح يسري للأرواح فتدركه بلا عناء ومعدنه ترابي سرت في لفظه لغة السماء فقد احل البخاري من نفسه محل الغرض من السعي والغاية من الحياة وكان يعكف اصائل ايامه وابكارها علي بدائعه واوابده يسيغها مثني وثلاث ورباع ثم يتجرعها فاذا طارحته شيئا ألفيته علي لسانه كانما فرغ لساعته من مراجعته فلا والله ماالنور بعد الظلام ولا العافية بعد السقام ولا الغني بعد البؤس ولا ادراك المني بعد طول اليأس بأروح لنفسه واذهب لهمومها من ساعة يقضيها بين احاديث رسول الله ص الذي فرغ لها جهد الصبا وعزم الشبار وصبر الكهولة وكان في معركته حوله رقبق القلب يهتاج لادني نقد كابح الغضب الي درجة الصمت لكن رضاه وغضبه لا يخرجانه عن حميته للرواية الي عصبيته للدراية تزيده عمامته الكبيرة وقفطانه الفضفاض وداعة ومهابة كان أخر عهدي به منذ بضعة أشهر وكانت قد ضاقت عن نفسه مساحتها لضيق نزل بساحتها فاستضفته في رحلة ترفيهية الي منتجع أل عصر وكانت تستوقفه غدائر الفاكهة المستشزرات الي العلا كانها أيدي الضراعة لا تلبث ان يميل بها الهوا فتتدلي لتؤدي تشريفة التحية ثم تنحني وتبالغ في الانحناء حتي تكاد تلامس الوجوه فتساقط رطبا جنيا كنا يومئذ في الربيع والحدائق تعبر عن فرحتها بمقدمه وشعورها نحوه بالالوان والريحان وكأنها في أمنة من الصيف وهو منها بضعة أشهر كان بين الفينة والفينة يقف مسجور العاطفة مسحور المخيلة والصمت حوله يضرب بجرانه وكانه يتسمع الزهر وهو يزهر ويري العطر وهو يفوح والطبيعة من حولنا عطار حاذق يعرف كيف يفتق الطيب من سنابل الارز وكيزان الذرة وأقناء النخيل ونوار النيل ولوز القطن وما ينبت حول حوافي المساقي ونواصي السواقي من نجوم النجيل وفسائل النخبل بينما كنت اتامل تلك الحدائق واقرن بها علماء الحديث فمنها مايروق ولايثمر كالصفصاف ومنها مالا يروق ولا يثمر كالحنظل ومنها مايروق ويثمر كالفاكهة ومن هذا النوع الاخير كان الدكتور سعد جاويش طيب الله بالرضوان ثراه وسقي ضربحه يوم يبني له ضريح كان موته ورحيله بين السحر والفجر فما ان انسلخ النهار من الليل وانشق النور من الظلام حتي لفظ روحه دون قلق ولا الم كما ينسم الطفل النائم الهادئ وما كانت حياته الا كالفراشة الجميلة الهائمة في الحقول تظل تحوم علي الزهر وترف علي الماءوتخفق علي العشب ثم تسقط علي النور ٠وبعد سفر قاصد وليل جاهد وسري محمود ان للجاهد أن يستريح وللمسافر ان يلقي عصاه وللملاح الذي جاب اعالي البحار ان يستوي علي الجودي ليلحق بالخالدين من اسلافه ابناء الكناني العتيق الذين ينشؤون أطهارا ويشبون أحرارا وبعملون أخيارا ثم يرحلون كراما بررة كما يذهب الجدول الرقراق بعد أن يخصب الجدب وينبت الحب وينشئ الحضارة ويقر السلام ونحن اذ نكتب عنه فانما نترحم علي نبعة من أيكة الشرف والفضيلة والعالمية سيظل المكان الضخم الذي شغله في القلوب هو ذاته الفضاء الرحب الذي خلا برحيله فترحموا يرحم الله والديكم…